الحطاب الرعيني

102

مواهب الجليل

قلت : وهذا هو الظاهر من قول مالك في المدونة ولا يعتد بما طاف داخل الحجر لأن ذلك شامل لستة أذرع ولما زاد عليها ، وهو الذي يظهر من كلام أصحابنا كما تقدم . والذي قاله اللخمي رحمه الله إنما هو تفقه منه على عادته في اختياره لما يقتضيه الدليل والقياس وإن خالف المنصوص عن مالك . وقوله وليس بحسن أن يفعل ذلك يدل على ذلك والله أعلم . وبما قاله اللخمي قال جماعة من الشافعية منهم إمام الحرمين وأبوه والبغوي وصححه الرافعي ، وبالقول الآخر قال جماهير الشافعية ، قال النووي : وهو الصواب واحتج شيخ شيوخنا القاضي تقي الدين الفاسي المالكي في تاريخ مكة لما قاله اللخمي والرافعي بأن أفعاله ( ص ) في الحج منها ما هو واجب ومنها ما ليس بواجب ، فطوافه خارج الحجر ما يكون واجبا إلا بدليل ولا دليل إلا ما وقع في بعض رواية عائشة أن الحجر من البيت وهي رواية مطلقة فتحمل على الروايات المقيدة ، ويحمل طوافه ( ص ) خارج الحجر ليزيل عن غيره مشقة الاحتراز عن تحرير الستة أذرع ونحوها ومشقة تسور جدار الحجر خصوصا للنساء ، ومثل ذلك يقال في طواف الخلفاء ومن بعدهم فيكون الطواف هكذا مطلوبا منه متأكدا لا وجوبا لعدم نهوض الدلالة على الوجوب من طوافه ( ص ) . فإن خالف إنسان وتسور على جدار الحجر فطاف فيما ليس من الكعبة خصوصا على رواية سبعة أذرع ، ففي الجزم بفساد طوافه نظر كبير مما لا ينهض عليه دليل . انتهى مختصرا وآخره باللفظ . قلت : فيما قاله رحمه الله نظر ، لأن أفعاله ( ص ) محمولة على الوجوب حتى يدل دليل على الندب لا سيما في باب الحج . قال النووي في شرح المهذب : لما تكلم على اشتراط الطهارة في الطواف ثبت في صحيح مسلم من رواية جابر أن النبي ( ص ) قال في آخر حجته : لتأخذوا عني مناسككم . قال أصحابنا : في الحديث دليلان : أحدهما أن طوافه ( ص ) بيان للطواف المجمل في القرآن . الثاني قوله ( ص ) لتأخذوا عني يقتضي وجوب كل ما فعله إلا ما قام دليل على عدم وجوبه انتهى . قلت : ولا سيما في الطواف الذي ثبتت فرضيته بالقرآن مجملا ولم يعلم بيانه إلا من فعل الرسول ( ص ) فتحمل أفعاله فيه على الوجوب إلا ما دل دليل على عدم وجوبه كاستلام الحجر والاضطباع ، وقد استدل أئمة مذهبنا وغيرهم على وجوب كثير من أفعال الحج بفعله ( ص ) لذلك مع قوله خذوا عني مناسككم . إذا علم ذلك فالذي يظهر - والله أعلم - وجوب الطواف من وراء محوط الحجر وإن طاف داخله يعيد طوافه ، ولو تسور الجدار وطاف من وراء الستة الأذرع أو السبعة وهذا ما دام بمكة ، فإن عاد إلى بلاده وكان طوافه من وراء الستة الأذرع فينبغي أن لا يؤمر بالعود مراعاة لمن يقول بالاجزاء كما تقدم في مسألة الشاذروان . وقد تبع المصنف على التقييد بالستة الأذرع صاحب الشامل وغيره من المتأخرين ، وقد تبعتهم في المناسك التي كنت جمعتها ثم ظهر لي الآن خلاف ذلك والله أعلم بالصواب .